تتجلى أبهى صور الوفاء والارتباط الروحي في زاوية الشيخ محمد لغظف بمدينة العيون خلال ليالي شهر رمضان المبارك؛ فبالرغم من الحالة الصحية لمؤسسها العلامة الشيخ لارباس ماء العينين الذي يلزم الفراش حالياً، إلا أن ذلك لم يزد المريدين والمصلين إلا إقبالاً وتعلقاً بهذا الصرح.
إن الحشود التي تحج إلى الزاوية لأداء صلاة التراويح، والوافدة من كل حدب وصوب، لا يحركها طمع في سلطة أو رغبة في مداهنة مسؤول، فالشيخ لارباس حكيم الصحراء كان رئيسا لمحكمة الاستئناف ورئيسا للمجلس العلمي وعين من أعيان الصحراء دينيا ووجاهة ولكنه الان لا يملك جاهاً سياسياً أو سلطة تنفيذية يُهاب جانبها، بل يمتلك رصيداً من المحبة الصادقة ومكانة مرموقة في القلوب، جعلت من زاويته قبلة يؤمها الناس تقديراً لتاريخه وإيماناً ببركة هذا المقام الذي أسسه بصدق.
وتعتبر زاوية الشيخ محمد لغظف بمدينة العيون صرحاً إسلامياً شامخاً ومنارة دينية بارزة في قلب الصحراء، حيث تقف شاهدة على عقود زمنية مليئة بالإيمان والروحانيات والجهاد العلمي.
وتحمل هذه الزاوية اسم القطب الصوفي الشيخ محمد لغظف بن الشيخ ماء العينين، لتكون نقطة إشعاع ديني وروحي تربط الماضي بالحاضر، وتجسد استمرارية المنهج الصوفي المعتدل في المنطقة.
ويعود الفضل في تأسيس هذا المعلم الديني إلى العلامة الشيخ لارباس ماء العينين، الذي وضع اللبنات الأولى لتكون مركزاً للذكر والتعليم والإحسان، مرسخاً فيها امتداداً للمدرسة المعينية الأصيلة التي تقوم على الجمع بين العلم والعمل، والتمسك الوثيق بالثوابت الدينية والوطنية.
ولم تقتصر أدوار الزاوية عبر التاريخ على الجانب التعبدي المحض، بل كانت وما تزال مؤسسة متكاملة تستقبل الوافدين وطلبة العلم والزوار من مختلف المناطق.
وتقام في رحابها الصلوات الخمس وحلقات الذكر الراتبة، بالإضافة إلى إحياء المناسبات الدينية الكبرى التي تضفي حركية روحية على مدينة العيون.
وتشهد الزاوية سنوياً أنشطة دينية ودعوية مكثفة، لا سيما في شهر رمضان المبارك وفي ذكرى المولد النبوي الشريف، حيث تتحول إلى وجهة أساسية للعلماء والمحبين الذين يجتمعون لختم القرآن الكريم وتدارس السيرة النبوية العطرة.
وبالتوازي مع ذلك، تضطلع الزاوية بدور اجتماعي رائد في إصلاح ذات البين وإيواء عابري السبيل وتقديم المساعدات للفقراء والمحتاجين، تجسيداً لقيم التكافل التي غرسها مؤسسها الشيخ لارباس ماء العينين.
أما من الناحية الجمالية، فتتميز الزاوية بطابع معماري مغربي أصيل يمزج ببراعة بين البساطة والجمال، وتبرز على بابها يافطة شامخة ترى بوضوح من شارع مكة، الذي يعد من أرقى أحياء مدينة العيون، مما جعلها علامة بصرية وروحية فارقة في عاصمة الصحراء المغربية، تزدان جدرانها بنقوش من الخط العربي والآيات القرآنية التي تضفي على المكان سكينة ووقاراً.
وستظل هذه الزاوية تحت رعاية كريمة، حيث تُقام فيها بانتظام الحفلات الدينية التي تحضرها وفود رسمية وشعبية، تأكيداً على مكانتها كصرح للتلاقي بين أبناء الأمة.
وفي رحابها تتواصل مجالس العلم والذكر، مما يجعلها حلقة وصل متينة في سلسلة الزوايا الصوفية التي تحمي الهوية الروحية للمنطقة وتصون موروثها الديني الحضاري.