afterheader desktop

afterheader desktop

after Header Mobile

after Header Mobile

الحوثيون والبوليساريو.. وكلاء السلاح وأوراق النفوذ الإيراني والجزائري في الصراع الإقليمي..

الصحراء اليومية/العيون
تكشف الهجمات الحوثية المتصاعدة على السعودية كيف تستطيع جماعة مسلحة، بدعم من دولة إقليمية، تحويل قدراتها إلى أداة ضغط تتجاوز حدود البلد الذي تنشط فيه، وتغذي اضطرابا تستثمره الدولة الداعمة لتوسيع نفوذها وإرباك خصومها.
وفي هذا المشهد التي تشهده السعودية ومعها دول المنطقة في الخليج، تتحرك الأزمات بمنطق الدومينو، إذ يدفع التصعيد في ساحة إلى توترات في ساحات أخرى، فتتسع دائرة الاستنزاف وتتشابك حسابات الأمن والنفوذ بين الدول.
يحدث هذا في الشرق الأوسط منذ سنوات وشهور قليلة فقط، لكنه يحدث منذ نصف قرن في شمال إفريقيا، حيث تطرح علاقة البوليساريو بالجزائر سؤالا مشابها، حول كيف يصبح تنظيم مسلح وسيلة لاستنزاف دولة مجاورة والتأثير في خياراتها؟
المقارنة بين الحالتين لا تقوم على تطابق الجغرافيا أو حجم التسليح، وإنما على وظيفة القوة المسلحة في خدمة التنافس الإقليمي، وعلى المكاسب التي يجنيها الداعم من استمرار قدرة حليفه على التهديد والتصعيد.
في السعودية، باتت هذه الوظيفة ملموسة في استهداف المطارات والمنشآت الحيوية مثل مصافي النفط، حيث أفادت وكالة رويترز، أمس السبت، بارتفاع حصيلة الهجوم على مطار الملك خالد بالرياض إلى ثلاثة عشر قتيلا وأكثر من ثلاثمائة مصاب، ثم وقوع ضربة أخرى أصابت مبنى الركاب.
وتتجاوز آثار هذه الهجمات خسائرها المباشرة، إذ تربك حركة الطيران وتستنزف الدفاعات وتضغط على النشاط الاقتصادي، كما تحاول التشكيك في خيارات الدولة.. وبهذه الطريقة، تستطيع جماعة مسلحة فرض كلفة مرتفعة على دولة أكبر منها بكثير، دون خوض مواجهة تقليدية متكافئة.
في الشرق الأوسط، لم تنشأ القدرة الحوثية بمعزل عن الدعم الإيراني، فالأسلحة والتدريب والخبرات والمساعدة الاستخباراتية التي تقدمها طهران تعزز قدرة الجماعة على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف الدول وخلق دما مؤثر في بيئة مفتوحة.
ومن منظور جيوسياسي، تمنح هذه العلاقة إيران وسيلة لتهديد خصومها وتعزيز موقعها في معادلات الأمن الإقليمي، دون تحمل كامل كلفة التدخل العسكري المباشر، لتصبح سلامة المنشآت والممرات البحرية مرتبطة، جزئيا، بقدرة جماعة مُتحالفة معها على التصعيد أو التهدئة، وهو ما يوسع أوراق الضغط الإيرانية في أي تفاوض إقليمي.
بهذا المعنى، يؤدي الحوثيون وظيفة الوكيل المسلح، حتى مع احتفاظهم بمصالحهم اليمنية وحساباتهم الخاصة، فالوكالة لا تشترط أن يكون كل قرار ميدانيا صادرا من العاصمة الداعمة، يكفي، في القراءة الاستراتيجية، أن يساهم الدعم في بناء القوة، وأن يخدم استخدامها مصالح مشتركة.
إن كانت هذه الصورة الفوضوية تحدث في الشرق الأوسط، فلها صورة طبق الأصل في شمال إفريقيا، حيث الجزائر تلعب نفس دور إيران، وجبهة البوليساريو تلعب دور الحوثيين، بنفس المنطق وإن اختلفت المصالح، والخيارات.
ويبرز الدعم الجزائري المستمر للبوليساريو بوصفه ركيزة لتحويل الجبهة إلى أداة ضغط على المغرب، ومنذ تأسيس الجبهة الانفصالية سنة 1973، أسهم احتضان الجزائر لها وتزويدها بالإمدادات العسكرية وإتاحة قواعد على أراضيها، ودعمها ماليا ودبلوماسيا، في تثبيت قدرتها على مواصلة النزاع.
وبهذا، تجاوزت العلاقة حدود المساندة إلى ارتباط استراتيجي يمكن قراءة وظيفته في إبقاء المغرب تحت ضغط عسكري وأمني مستمر، ومنح الجزائر ورقة نفوذ في موازين القوى المغاربية، وبالنسبة لقصر المرادية استمرار القوة المسلحة للجبهة يرتبط بهذا الاحتضان، فيما يخدم نشاطها حسابات الجزائر في منافسة المغرب والحد من اتساع تأثيره الإقليمي.
ولا يقتصر هذا الاحتضان على السلاح أو المجال الترابي، بل يمتد إلى الحماية السياسية والتعبئة الدبلوماسية والإعلامية، حيث تُظهر تغطيات وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية استمرار دعم المسؤولين الجزائريين للجبهة، واستضافة أنشطة لكوادرها، وتبني خطابها بشأن النزاع.
ويمكن قراءة هذا الاستثمار المتواصل باعتباره دليلا على مركزية الملف في السياسة الإقليمية الجزائرية، فالدولة التي تخصص موارد ومؤسسات ومنابر للدفاع عن تنظيم مسلح لا تكون مجرد مراقب للنزاع، بل تساهم في تشكيل موازينه وإطالة قدرة حليفها على الاستمرار.
وتوثق السجلات الأممية لقاءات المبعوثين الأممين لنزاع الصحراء مع المسؤولين الجزائريين أكثر من زيارتهم تيندوف وقيادة جبهة البوليساريو، ودلالة ذلك أن البحث عن تسوية يمر عبر الجزائر بوصفها طرفا مؤثرا في شروط الحل، والجزائر لا ترغب في الحل، لأن الهدف ليس هو حل المشكل، بل توظيفه فقط لأقصى حد ممكن.
عسكريا، تتيح الجبهة استمرار الضغط على المغرب عبر القصف والتهديد بمحاذاة الجدار الدفاعي، وقد وثقت متابعة ملف الصحراء سقوط أربعة صواريخ في السمارة في يونيو 2025، بينها صاروخ قرب موقع للمينورسو.
ومهما كانت محدودية هذه الوسائل مقارنة بالترسانة الحوثية، فإن أثرها لا يُقاس بالخسائر وحدها، لأن استمرار التهديد يفرض المراقبة والانتشار والإنفاق، ويعطل فرص بناء الثقة، ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة البوليساريو بوصفها أداة استنزاف تخدم الموقف الجزائري في مواجهة المغرب، مع إبقاء المواجهة المباشرة بين الجيشين خارج الواجهة.

– عن الصحيفة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد