بين ترانيم المحبة وصدى الصحراء الأصيل، احتضنت مدينة العيون مساء السبت 07 مارس 2026، انطلاقة فعاليات النسخة الثالثة عشرة من المهرجان الجهوي لمديح النبي الشريف، في ليلةٍ تعطر رذاذها بذكر المصطفى ﷺ. ولم يأتِ هذا الافتتاح كمجرد تدشين لحدث تراثي عابر، بل تجسد كلوحة فنية حية مزجت بين سحر المديح والروحانية، صانعةً فضاءً رحباً تتلاقى فيه القلوب قبل الأصوات، وتتلاحم فيه الثقافة بالقيم الروحية السامية.
وفي أجواء مفعمة بالجمال وضمن حركية ثقافية دؤوبة تعكس العمق التاريخي والحضاري للصحراء المغربية، انطلقت هذه النسخة لتؤكد تحول المهرجان إلى موعد سنوي قار وقبلة وطنية للاحتفاء بالتراث الحساني.
كما يبرز هذا الحدث الدور الريادي لجهة العيون الساقية الحمراء في صيانة الموروث اللامادي للمملكة، وحماية الذاكرة الروحية للمنطقة من الاندثار.
وقد تشرف حفل الافتتاح برئاسة عبد السلام بيكرات، والي جهة العيون الساقية الحمراء، الذي ترأس التظاهرة بساحة المديرية الجهوية للثقافة، في إشارة قوية تعكس العناية الخاصة التي توليها السلطات المحلية للمجالين الثقافي والديني.
وشهد الحفل حضوراً لافتاً لشخصيات وازنة، تقدمهم بلاهي اباد، نائب رئيس مجلس جهة العيون الساقية الحمراء، و محمد صالح داداه، نائب رئيس جماعة العيون، إلى جانب المدير الجهوي للثقافة ولفيف من ممثلي السلطات المحلية والأمنية وفعاليات المجتمع المدني.
وتسهر “رابطة الموسيقيين الحسانيين للتراث والتنمية الاجتماعية” على تنظيم هذا المحفل الروحاني، وذلك بناءً على شراكة إستراتيجية مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وبدعم من مجموعة من الشركاء المؤسساتيين الذين آمنوا بضرورة تثمين التراث الحساني، وتعزيز إشعاع فن المديح النبوي كركيزة أساسية من ركائز الهوية المغربية الأصيلة والموحدة.
وقد استمتع الحضور خلال الأمسية الافتتاحية بوصلات فنية ومقامات روحية باهرة، أبدعت في أدائها فرق متخصصة في فن المديح، حيث استحضرت في ألحانها الجماليات الفنية والعمق الوجداني الذي يميز هذا الفن العريق.
وتفاعل الجمهور الغفير بحفاوة بالغة مع الأهازيج التي مزجت بين الإتقان الأدائي والارتباط الروحي بسيرة الرسول الكريم، مما جعل من المهرجان منصة حية لإبراز غنى الموروث الصحراوي وترسيخ قيم المحبة والتسامح.
وتأتي نسخة هذا العام تحت شعار “تنمية مستدامة لرفع التنوع الثقافي للأمداح النبوية الشريفة”، في دلالة واضحة على سعي المنظمين لربط العمل الثقافي بمسارات التنمية الشاملة، وتنشئة الأجيال الصاعدة على الحفاظ على هذا الإرث اللامادي، مع تعزيز مكانة مدينة العيون كحاضرة ثقافية عالمية تحتضن الإبداع وتصون الهوية الوطنية.
إن النجاح الباهر الذي حققه حفل الافتتاح يعكس بجلاء تظافر الجهود بين الفاعلين الجمعويين والسلطات الجهوية، لجعل الثقافة الحسانية رافعة حقيقية للتنمية ومرآة تعكس تجذر القيم الروحية في وجدان الإنسان الصحراوي، لتختتم الليلة الأولى فعالياتها على إيقاع الأمل في استمرار هذا العطاء الفني الذي يربط ماضي المنطقة الزاهر بمستقبلها الواعد.