الصحراء اليومية/إعداد الطالب الباحث “احمدناه بابا”
من خلال مقارنة مشروع التعديل مع مقتضيات المرسوم الأصلي، يمكننا رصد مجموعة من المستجدات البارزة التي تمس جوانب إجرائية، مالية، واجتماعية، والتي يمكن تصنيفها في المحاور التالية :
1– تكريس البعد الاجتماعي وحماية حقوق العمال
من أبرز الإضافات النوعية في المشروع الجديد هو التنصيص الصريح على حماية الأجور في قطاعات محددة
الجديد في المشروع: تمت إضافة فقرة هامة للمادة 6 (إعداد تقدير كلفة الأعمال) تُلزم صاحب المشروع، بخصوص صفقات الحراسة والنظافة وصيانة المساحات الخضراء، بأن يأخذ بعين الاعتبار الحد الأدنى للأجور والمساهمات الاجتماعية الإلزامية عند وضع التقدير المالي.
ففي المرسوم الأصلي، كانت المادة 6 عامة وتتحدث فقط عن الأثمنة المطبقة في السوق وجميع الاعتبارات والإكراهات. التعديل الجديد يسد ثغرة قانونية كانت تؤدي إلى “تكسير الأسعار” على حساب الأجور القانونية للعمال في هذه القطاعات الهشة.
2– مراجعة معيار العرض الأكثر أفضلية
يشكل تغيير فلسفة تقييم العروض المالية أحد أهم التعديلات، منتقلا من منطق الأقل الأقرب بتفريط وان لم يوجد فبإفراط إلى منطق الأقل ثمنا مقارنة بالثمن المرجعي.
تم تعديل المادة 43 والمادة 44 لتعريف العرض الأكثر أفضلية. أصبح العرض الفائز في الأشغال والتوريدات والخدمات (غير الدراسات) هو العرض المالي الأقل ثمنا بالنسبة للثمن المرجعي (L’offre la moins disante par rapport au prix de référence) .
ويهدف هذا الإجراء الصارم إلى محاربة الممارسات المخلة بالمنافسة والعروض المنخفضة بكيفية غير عادية (Offres anormalement basses) التي تؤثر سلبا على جودة إنجاز المشاريع العمومية.
3– الأفضلية المجالية: في المادة 43 (حالة تساوي العروض)، تم تفصيل منح الأفضلية لتكون حسب الأولوية، لعرض المتنافس الذي يزاول نشاطه في مكان تنفيذ الأعمال بالنفوذ الترابي للجماعة أو للإقليم أو للعمالة أو للجهة”.
4- دعم المقاولات الصغرى وإنعاش الاقتصاد المحلي
عزز المشروع الجديد الآليات الموجهة لدعم النسيج المقاولاتي المحلي والتشغيل الترابي.
من خلال رفع عتبة طلب العروض المبسط: تم تعديل المادة 19 برفع سقف الصفقات التي يمكن إبرامها عبر طلب العروض المفتوح المبسط من مليون (1,000,000) درهم (في المرسوم الأصلي) إلى مليون وخمسمائة ألف (1,500,000) درهم دون احتساب الرسوم.
رفع سقف سندات الطلب حيث تم تعديل المادة 91 برفع الحد الأقصى للأعمال التي يمكن اللجوء فيها إلى سندات
الطلب (Bons de commande) من 500,000 درهم (في المرسوم الأصلي) إلى 800,000 درهم مع احتساب الرسوم في إطار السنة المالية الواحدة.
هذا التعديل يمنح مرونة أكبر للإدارة في تلبية حاجياتها المتوسطة، ويفتح الباب أوسع أمام المقاولات الصغرى للولوج إلى الطلبيات العمومية محليا. وأضاف الى مسطرة سندات الطلب تقديم شروط تضمن الجدية و القدرة و تجنب الإدارة عبثية بعض المتنافسين.
5- تحفيزات مالية للمبادرات: الحوار التنافسي والعرض التلقائي حيث أدخل المشروع الجديد تحفيزات مادية ملموسة لتشجيع الابتكار وتقديم الحلول فالجديد في المشروع:
– في الحوار التنافسي (المادة 12): تحديد مبلغ الجائزة المالية في نسبة 0.5% من العرض المالي المقبول (بسقف 200,000 درهم)، توزع بنسب محددة (50% للأول، 30% للثاني، 20% للثالث). (في المرسوم الأصلي كان النص عاما حول “منح جوائز مالية” دون تحديد نسب).
– في العرض التلقائي (المادة 13): تم تحديد مبلغ الجائزة في نسبة 0.5% من العرض المالي المقبول بسقف 200,000 درهم.
تشجيع الفاعلين الخواص على تقديم حلول مبتكرة للإدارة وتعويضهم عن المجهود الفكري والهندسي المبذول.
6- تبسيط المساطر: الإشراف المنتدب وتمديد الصلاحية
الإشراف المنتدب (المادة 154): لتسريع وتيرة المشاريع، تم إعفاء مقرر اللجوء إلى الإشراف المنتدب من تأشيرة الوزير المكلف بالمالية (للدولة والمؤسسات) أو ترخيص وزير الداخلية (للجماعات) إذا كان هؤلاء قد وقعوا مسبقا على اتفاقية الإشراف المنتدب.
7- تمديد أجل صلاحية العروض (المادة 143): منح المشروع الجديد لصاحب المشروع صلاحية اقتراح مدة إضافية تتجاوز 30 يوما (وصولا إلى 90 يوماً كحد أقصى) لتمديد صلاحية عرض نائل الصفقة، شريطة إعداد تقرير معلل تحت مسؤوليته وموافقة نائل الصفقة. هذا يحل مشاكل التأخر الإداري في المصادقة الذي كان يؤدي لإلغاء صفقات جاهزة.
8– الزامية المنافسة المسبقة في الاتفاقيات والعقود رغم ان المشروع لم يحدد الكيفية ولا الوسائل.
9- وإمكانية تقديم المتنافس لشهادات التصنيف والاعتماد عوض بعد وثائق الملف التقني.
اقتراحات:
يشكل هذا المشروع تعديلا براغماتي للمرسوم الأصلي. فهو لا يغير هيكلة المرسوم بقدر ما يعالج اختلالات تطبيقية دقيقة (كسر الأسعار، حماية العمال، بطء المصادقة)، مع إعطاء جرعة مرونة أكبر للإدارة في تدبير نفقاتها عبر رفع عتبات المساطر المبسطة وسندات الطلب، مما يصب في النهاية في مصلحة الفعالية الاقتصادية والعدالة المجالية ورغم هذا أغفل المشروع إشكاليات كثيرة أثيرت بعد التطبيق الواقعي لمرسوم 2023 من أبرز النقاط التي تثير الانتباه في مرسوم 2023 اتساع الحالات التي تسمح باللجوء إلى التفاوض بدون إشهار مسبق وبدون منافسة. فبعض المواد تفتح هذا الباب في حالات مثل الضرورات التقنية، أو الخبرة الخاصة، أو غياب البديل، أو الاستعجال القصوى، أو السرية المرتبطة بالدفاع والأمن، أو بعض الخدمات والأشغال التكميلية. والمشكل هنا ليس في وجود الاستثناء، لأن كل منظومة قانونية تحتاج إلى استثناءات، بل في أن هذه الاستثناءات صيغت أحيانا بعبارات واسعة تحتمل أكثر من تأويل فعندما يكتفي النص بعبارات من قبيل الضرورة التقنية أو عدم وجود بديل أو الخبرة الخاصة من دون إلزام الإدارة بتعليل تقني مستقل ودقيق، يصبح من الممكن، عمليا، توسيع مجال التفاوض على حساب المنافسة المفتوحة. وهذا يمس جوهر العدالة التنافسية، لأن الأصل في الطلب العمومي هو الإشهار والمنافسة، لا الاستثناء والتفاوض المغلق.
– و اذا كان من الإيجابيات الواضحة في مرسوم 2023 إرساء النشر عبر البوابة الوطنية للصفقات العمومية. غير أن هذه الشفافية تظل، في عدد من الحالات، شفافية ناقصة، لأنها تنصرف إلى إعلان النتيجة أكثر مما تكشف عن أسبابها. فالمتنافس لا يحتاج فقط إلى معرفة من رست عليه الصفقة، بل يحتاج أيضاً إلى معرفة لماذا فاز هذا العرض، وكيف تم تنقيط العروض الأخرى، وما هي أسباب الإقصاء أو الترجيح فنشر مقتطفات من المحاضر أو بيانات موجزة لا يكفي دائما لتمكين المتنافسين من ممارسة حقهم في التظلم أو الطعن بصورة فعالة لأن الشفافية الحقيقية تبدأ عندما يكشف منطق القرار، لا عندما تعلن نتيجته فقط. ولهذا فإن من بين أولويات أي مراجعة للمرسوم فرض نشر أكثر تفصيلا لنتائج التقييم، وأسباب الإقصاء، ومنهجية الترجيح بين العروض، مع احترام الأسرار التجارية المحمية قانونا طبعا.
– ومن أبرز مظاهر التعقيد في مرسوم 2023 استمرار المنطق الوثائقي التقليدي في عدد من مراحل الترشح والإسناد. فالمتنافس يظل مطالبا، في حالات كثيرة، بملفات إدارية وتقنية متعددة تختلف بحسب صفته القانونية: شركة، تعاونية، مقاول ذاتي، مقاولة أجنبية، إلى غير ذلك. ورغم أن التحقق من الأهلية أمر مشروع، فإن تكرار الوثائق وتعدد أشكالها وتحيينها المستمر يخلق عبئا بيروقراطيا لا يخدم دائما النجاعة ولا جودة المنافسة فالإصلاح الحقيقي هنا يمر عبر الانتقال من منطق استكمال الملف الإداري إلى منطق التحقق الإداري الإلكتروني. فلا شيء يبرر أن تستمر الإدارة في مطالبة نائل الصفقة بوثائق تكميلية إذا كانت وضعيته القانونية أو الجبائية أو الاجتماعية أو المالية قابلة للتحقق مباشرة عبر الربط البيني بين الإدارات والهيئات العمومية فالإدارة الحديثة لا ينبغي أن تطلب من المقاولة ما تستطيع هي نفسها أن تتحقق منه رقميا.
– وإذا كانت بعض الصفقات، خصوصا في الأشغال والخدمات، تستلزم يدا عاملة مهمة أو تحدث أثرا اجتماعيا مباشرا، فمن المنطقي التفكير في حضور ممثل عن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي داخل لجان طلبات العروض الخاصة بهذه المجالات. فالمقاولة التي تستفيد من المال العام يجب أن تكون أيضاً مقاولة ممتثلة لالتزاماتها الاجتماعية، وخاصة ما يتعلق بالتصريح بالأجراء واحترام قواعد الحماية الاجتماعية فلا شك ان إدماج هذا البعد داخل مرحلة الإسناد لا يحول الصفقات العمومية إلى أداة مراقبة اجتماعية فقط، بل يجعلها أداة متوازنة تجمع بين الكفاءة الاقتصادية والامتثال القانوني والعدالة الاجتماعية. وهو توجه ينسجم مع منطق الدولة الاجتماعية، ويمنح الطلب العمومي دورا تنمويا يتجاوز مجرد اقتناء الأشغال والخدمات واللوازم.
– ومن بين المقترحات العملية التي تستحق الاعتماد، تنظيم القرعة في حالة تساوي العروض داخل جلسة علنية وبطريقة إلكترونية عبر منصة الصفقات العمومية. فالقرعة، رغم طابعها الاستثنائي، تمثل لحظة دقيقة في مسار الإسناد، ويمكن أن تكون محل شك إذا أُجريت بوسائل تقليدية أو من دون توثيق كاف أما حين تتم عبر البوابة الرسمية، في جلسة علنية، بمحضر رقمي يثبت التاريخ والساعة والنتيجة، فإنها تتحول إلى آلية أكثر شفافية وقابلية للمراقبة، وتُغلق الباب أمام أي تشكيك في الحياد أو سلامة الإجراء.
– كما ينبغي اقتراح انه لا ينبغي أن يقتصر تطوير البوابة الوطنية للصفقات العمومية على الإشهار وإيداع العروض فقط، بل يجب أن تنتقل إلى مستوى أكثر تطورا يجعلها أداة حقيقية للمعالجة الذكية للمسطرة. ومن أهم الإصلاحات الممكنة في هذا الباب تمكينها من التحقق الآلي من العمليات الحسابية لعروض المتنافسين، عبر اعتماد نموذج موحد للجداول التفصيلية للأثمان، يمكن تعبئته إلكترونياً من طرف الجميع داخل المنصة نفسها هذا التطور ستكون له فوائد مباشرة: تقليص الأخطاء الحسابية، الحد من الإقصاءات المرتبطة بالفوارق بين الأسعار الجزئية والمبالغ الإجمالية، تسهيل عمل اللجان، وتوحيد منطق المقارنة بين العروض. كما أن توحيد نموذج الجداول التفصيلية للأثمان لا يخدم فقط الجانب التقني، بل يخدم أيضا مبدأ المساواة، لأن جميع المتنافسين سيشتغلون ضمن نفس القالب ونفس منطق التحقق.
– و إذا كانت الرقمنة خيارا استراتيجيا، فلا ينبغي أن تظل جزئية. ومن هنا تبرز ضرورة تمكين المهندسين المعماريين من المشاركة الإلكترونية الكاملة في جميع المساطر التي تخصهم، سواء تعلق الأمر بإيداع الملفات أو المشاريع أو المراسلات أو النتائج. فإبقاء بعض المساطر الخاصة مرتبطة بالأشكال الحضورية أو المادية لا ينسجم مع منطق الإصلاح الرقمي الشامل. والأمر نفسه ينطبق على الوثائق التقنية والكتالوجات والنشرات التوضيحية، التي ينبغي أن يكون الأصل فيها هو الإيداع الإلكتروني عبر البوابة الوطنية بصيغ معيارية ومؤمنة، مع جعل الإيداع المادي مجرد استثناء محدود تبرره طبيعة الوثيقة أو مقتضيات التقييم التقني. وبدون ذلك ستظل الرقمنة ناقصة، وسيبقى جزء من المسطرة خارج منطق التبسيط والتتبع الإلكتروني.
– وفي خضم هذا التعديلات، لم يعد ممكنا التفكير في إصلاح منظومة الصفقات العمومية بمعزل عن أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها معطى حديثا أصبح يفرض نفسه في مختلف مراحل تدبير الطلب العمومي. فالمطلوب اليوم لا يقتصر على رقمنة الإيداع والنشر والتبادل، بل يقتضي الانتقال إلى مستوى أكثر تقدما، يتم فيه توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في المساعدة على التحقق من الوثائق، ورصد الأخطاء الحسابية والتناقضات داخل العروض، وتحليل المخاطر المرتبطة بالعروض المنخفضة بشكل غير عادي، والكشف المبكر عن المؤشرات غير الطبيعية التي قد توحي بضعف المنافسة أو بتشابه مريب بين بعض العروض، فضلا عن المساعدة في تتبع آجال التنفيذ، ومراقبة احترام الالتزامات التعاقدية والاجتماعية والمالية. إن إدماج هذه الأدوات لم يعد ترفا تقنيا، بل أصبح جزءا من تحديث الإدارة العمومية نفسها، ومن بناء طلب عمومي أكثر سرعة وشفافية وقدرة على التوقع والرقابة.
إن النقاش حول مرسوم الصفقات العمومية لا ينبغي أن يقرأ باعتباره اعتراضا على الإصلاح، بل هو، في العمق، دفاع عن الإصلاح نفسه. المشروع الحالي وضع أساسا مهما، لكنه يحتاج إلى جيل ثان من التعديلات يجعل الشفافية أعمق، والاستثناءات أضيق، والتعليل أوضح، والملف الإداري أخف، والبوابة الإلكترونية أكثر ذكاء وفاعلية.
– بفلم: بابا احمدناه/طالب باحث و إطار بالخزينة الاقليمية بالعيون.



