باريس فهمت اللعبة متأخرة مرة أخرى: صحيفة لوموند الفرنسية :الصحراء المغربية : ” حل الصراع يجب أن يتم الآن التفكير فيه داخل إطار مؤتمر دولي.”
الصحراء اليومية/العيون
يبدو أن الزيارات الحميمية المتوالية التي قام بها مدير الاستخبارات الخارجية الفرنسية المدعو Bernard Émié خلال الشهور الماضية للجزائر قد نقلت إليه عدوى الغباء السياسي المخلوط بالكثير من الغرور.
هذا العنوان المتنطع لا يمكن قراءته إلا بصيغة واحدة فقط لا غير، مفادها أنهم في الإليزيه و الكي دورساي، لا زالوا عاجزين حتى اللحظة عن استيعاب الإعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، رغم مرور اكثرمن عامين حتى الآن على القرار التنفيذي الذي صادق عليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام قليلة من خروجه من البيت الأبيض.
هاته الحمى الديبلوماسية و السياسية المسعورة التي استبدت بهم في مواجهة المغرب مؤخرا، هي في حقيقتها عتاب فرنسي من باريس في إتجاه الرباط، باريس التي تشعر بالخذلان الذي تحول مؤخرا إلى قلق فعلي، لأن المشكلة السياسية الرئيسية التي سمحت لها بالاحتفاظ برأس جسر في شمال إفريقيا طيلة نصف قرن تقريبا، قد تم سحبها من بين أيديهم في غفلة تامة منهم، و ليت الأمر يتوقف عند هذا الحد، فالخذلان هذه المرة ليس مغربيا فقط، بل أمريكي أيضا، لأن إمعان باريس في التصعيد و تطوير مستويات الأزمة مع المغرب معناه أيضا أنهم قد فهموا أن التحرك الأمريكي يستهدف أيضا سحب بساط الإمتياز و الأولوية في منطقتي الساحل و الصحراء من باريس، و فرشه أمام أقدام المملكة المغربية.
الفرنسيون و كعادتهم (في الجزائر و فييتنام و الشرق الأوسط و أوروبا الشرقية و شرق إفريقيا طيلة النصف قرن الماضي)، قد فهموا اللعبة متأخرين مرة أخرى، فالدولة العميقة في واشنطن (المركب الصناعي العسكري- الاستخباري، مجلس الأمن القومي، البنتاغون) قد أدركت مبكرا أنها مقبلة على صراعات سوف تزداد حدة في مواجهة الصين و روسيا و إيران، و محور هذه الصراعات يمتد هذه المرة في إتجاه القارة الإفريقية، و بذلك لا تملك الولايات المتحدة الأمريكية إمكانية المراهنة على حصان خاسر مرة أخرى، خاصة و أن الرهان دقيق و حيوي جدا بالنسبة لمستقبلها على المدى المتوسط و البعيد.
أوروبيا لا يبدو الأمر مختلفا جدا، ففي الوقت الذي تدفع فيه باريس أحزابها و نوابها في البرلمان الأوروبي لتحريك مساطره القانونية في وجه المملكة المغربية، تيدو باقي الدول مترددة في مسايرة هذه الحملة، فبينما تشتعل مقدمات الأخبار و البرامج الحوارية على القنوات و عناوين الصحف و المجلات الفرنسية بكلمات العداء و الاستهجان في حق المغرب، نرى بقية الصحف القنوات الإخبارية الأوربية في دول مثل ألمانيا، هولندا، إسبانيا تنأى بنفسها تماماً عن هذه الحملة المغرضة، و كأنها غير معنية بما يحدث، و الصحيح أن القائمين على السياسات الخارجية في هذه الدول قد فهموا المعادلة مبكرا و خصوصا برلين و مدريد، في الوقت الذي تصر فيه باريس على قراءة الوضع في شمال إفريقيا بنظارات قديمة، تعود إلى خمسينات و ستينيات القرن الماضي.
مهدي بوعبيد



