يضع مراقبون للشأن الوطني اليوم علامات استفهام حارقة ومزلزلة حول المعايير “المشبوهة” التي تحكمت في هندسة الاستثمار الرياضي الجديد بالمملكة، حيث يبرز تساؤل جوهري يتردد صداه في الأوساط السياسية والحقوقية: لماذا تم إعدام حضور جهة العيون الساقية الحمراء من مشروع إحداث الشركات الجهوية الرياضية، وهل نحن أمام خطأ تقني معزول أم أمام “انفصال إداري” صامت يكرس عقلية المركزية الإقصائية خلف ستار العصرنة والاحتراف؟
ويرى هؤلاء المراقبون أن القرارات الصادرة عن حكومة عزيز أخنوش، وبمباركة من فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، قد كشفت عن “عورة” في تدبير العدالة المجالية؛ فبينما يتم الترويج لمخطط الشركات الجهوية كقاطرة لتطوير كرة القدم وتدبير المنشآت الرياضية، يبدو أن بوصلة التدبير الاحترافي قد تعطلت فجأة عند حدود جهة أكادير، مما وضع العيون خارج سياق التحول الهيكلي للمملكة.
هذا التوجه دفع المحللين للتساؤل باستنكار عن الرؤية “المبتورة” التي تحكم توزيع استحقاقات مونديال 2030، والتي يبدو أنها أسقطت من حساباتها جهة كاملة بوزنها التاريخي والسياسي.
ويذهب المتتبعون إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن المصادقة على خمس شركات جهوية لتدبير المنشآت في مدن الشمال والوسط (طنجة، الدار البيضاء، فاس، مراكش، وأكادير) هو اعتراف ضمني بوجود “مغربين” في العقلية التدبيرية الحالية.
إن غياب مدينة العيون، كبرى حواضر الصحراء المغربية، عن هذا المسار التحديثي، يصفه المراقبون بأنه “إقصاء ممنهج” يضرب في عمق التوجهات الاستراتيجية للدولة، ويكرس نوعاً من التمييز المجالي الفج الذي يعيدنا إلى زمن المركزية المقيتة، ضارباً عرض الحائط بكل الشعارات التي تتحدث عن المساواة بين الجهات في استحقاق التنمية.
وتتجلى المفارقة الصادمة، حسب قراءة المراقبين، في استغلال “واجهة” العيون الرياضية في المحافل الدولية؛ فلطالما تغنى الخطاب الرسمي بجودة ملاعب وقاعات هذه المدينة، وسوقها كشواهد حية على النهضة التنموية بالأقاليم الجنوبية أمام الوفود والسفراء الأجانب.
لكن، وعند لحظة الاختبار الحقيقي لمأسسة هذا النجاح، ظهر “فيتو” غير معلن يستبعد العيون من الحركية المؤسساتية، مما فجر تساؤلات مريرة: هل كانت تلك المنشآت مجرد “مساحيق تجميل” دبلوماسية لا ترقى للمعايير الدولية؟ أم أن هناك عقلية إقصائية تنظر لساكنة الصحراء كأرقام لتأثيث المشهد دون أن يكون لهم الحق في الانتقال إلى مرحلة الاحترافية والتدبير المؤسساتي المستدام؟
ويحذر المحللون من أن حصر التدبير في محور الشمال والوسط يعيد إنتاج ثنائية “المغرب النافع وغير النافع” رياضياً، فإذا كان مبرر الحكومة هو الجدوى الاقتصادية ومتطلبات الفيفا، فإن تغييب العيون يمثل صفعة لتاريخ المدينة الرياضي ونجاحاتها الباهرة في احتضان تظاهرات قارية كبرى.
إن هذا النهج يعطي انطباعاً كارثياً بأن هناك من يرغب في إبقاء الصحراء مجرد “ديكور للعرض” في الواجهات الدبلوماسية، مع حرمانها من أدوات الحكامة الحديثة التي تضمن كرامة رياضييها وحق أجيالها في مؤسسات رياضية مهنية وليست مجرد جدران خاوية من التدبير الاحترافي.
وفي الختام، يصف المراقبون هذا القرار الحكومي التمييزي بأنه “طعنة” في جوهر الوحدة الترابية للمملكة؛ فمن غير المقبول سياسياً تسويق العيون كمدينة مغربية أمام المنتظم الدولي، ثم تهميشها عند توزيع كعكة الاستثمار الرياضي.
إن أبناء الصحراء ليسوا مجرد “ديكور” في معادلة صورية، بل هم جزء لا يتجزأ من نسيج وطني يستحق المساواة المطلقة.
ومن هنا، يضع المراقبون الحكومة أمام مسؤوليتها التاريخية متسائلين بحدة: لماذا تم استنزاف رصيد العيون في الدعاية الخارجية ثم طُعنت في ظهرها عند توزيع الامتيازات التدبيرية، وهل يدرك صناع القرار أن استثناء الصحراء من قطار الاحتراف هو تغذية لروح الانقسام الإداري وتقويض للإيمان بمغرب قوي وموحد في كل شبر من ترابه؟