الصحراء اليومية/حيدار اركيبي
في خطوة تحمل دلالات استراتيجية لافتة، أجرى وفد رفيع المستوى من خبراء المفوضية الأوروبية مهمة تدقيق ميدانية اتسمت بالسرية في مدينة الداخلة، استهدفت الوقوف بشكل مباشر ودقيق على كفاءة المنظومة الصحية والآليات الرقابية المعتمدة في جهات الصحراء(الداخلة والعيون).
وتأتي هذه الخطوة في سياق زمني مفصلي تطبعه تعقيدات قانونية وسياسية تحيط بملف الشراكة التجارية بين الرباط وبروكسل، حيث تسعى المفوضية من خلال هذه المعاينة الميدانية إلى اختبار قدرة الأجهزة الرقابية المحلية على الامتثال للمعايير الصحية الصارمة (SPS) التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على وارداته من المواد الغذائية والزراعية.
وتعكس هذه التحركات رغبة بروكسل في تشكيل قاعدة بيانات فنية صلبة وموثوقة، تتيح لها فحص سلسلة القيمة والإنتاج في المنطقة بشكل معمق، خاصة فيما يتعلق بالمنتجات الموجهة للتصدير نحو الأسواق الأوروبية.
وقد تركزت مهمة الخبراء الأوروبيين بشكل أساسي على تقييم أداء “المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية” (ONSSA)، عبر فحص دقيق لآليات تتبع المنتجات (Traceability) في كافة مراحلها، بدءاً من المزارع و موانئ الصيد، وصولاً إلى وحدات التعبئة والتصدير النهائي.
ويهدف هذا التدقيق الصارم إلى ضمان خلو مسارات الإنتاج من أي ثغرات قد تمس سلامة المستهلك الأوروبي، أو تستخدم كمستند لتقديم طعون تقنية في المستقبل.
ويرى مراقبون أن هذا التقييم الصحي يتجاوز بعده الفني ليرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمعارك القانونية الجارية في أروقة محكمة العدل الأوروبية؛ إذ تحاول بروكسل صياغة مخرج تقني يضمن استدامة الشراكة الاستراتيجية والتبادل التجاري مع المغرب، مع الالتزام التام بالمتطلبات الإجرائية التي تنص عليها القوانين الأوروبية المتعلقة بـ “قواعد المنشأ” و”الرقابة الذاتية”.
ومن شأن النجاح في هذا الاختبار الميداني أن يعزز الموقف التفاوضي للمغرب، ويمنح الصادرات القادمة من المنطقة “شهادة كفاءة” مؤسساتية، مما يسهم في تحييد الضغوط التي تمارسها أطراف تسعى لعرقلة اتفاقيات الفلاحة والصيد البحري بين الجانبين.
وفي المحصلة، تندرج هذه المهمة في إطار استراتيجية أوروبية تهدف إلى نقل ملف الاتفاقيات التجارية من دائرة التجاذبات السياسية المحضة إلى نطاق “المعايير الفنية والمهنية”.
وهي مقاربة تعكس سعياً أوروبياً لتكريس واقع مؤسساتي مستقر على الأرض، يضمن انسيابية الحركة التجارية ويحصن الشراكة الاقتصادية المتينة بين الرباط وبروكسل ضد أي هزات قانونية محتملة في المستقبل القريب.



