الصحراء اليومية/العيون
يشهد ملف الصحراء المغربية تحولا جذريا غير مسبوق في مقاربة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، حيث يتجه التقرير الأخير للأمين العام أنطونيو غوتيريش، وما سيترتب عليه من قرارات، نحو تكريس الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كـالحل الوحيد الواقعي والمطروح على الطاولة. لم يعد تقرير المصير يفهم بمعناه التقليدي كاستفتاء قد يؤدي إلى الاستقلال أو الانفصال، بل تحول عمليا إلى استشارة مجدية مع الساكنة حول مقترح الحكم الذاتي المغربي نفسه. هذا التحول يدفن فعليا أي خيارات أخرى، ويضع نهاية لعقود من المناورات حول استفتاء غير قابل للتطبيق.
خلال جولة الاجتماعات في واشنطن يومي 18 و19 يناير، قدم المغرب نسخة موسعة ومحدثة من مقترح الحكم الذاتي لعام 2007، وأجاب بوضوح على كل الأسئلة المطروحة، مؤكدا استعداده للتعاون مع جبهة البوليساريو في إطار حل سياسي مقبول. وفي مدريد يومي 8 و9 فبراير، تعمقت النقاشات حول تفاصيل عملية: إنشاء «مجلس انتقالي» لإدارة المرحلة الانتقالية، توزيع الموارد، العفو والمصالحة، نزع السلاح وتسريح المقاتلين وإعادة إدماجهم، الضمانات الدولية، والترتيبات الأمنية والانتخابية. طرحت موريتانيا فكرة لجنة توافقية لتحديد الحدود النهائية، بينما عملت فرق الأمم المتحدة والولايات المتحدة على صياغة مسودة اتفاق إطاري يمهد لمرحلة انتقالية.
في الجولة الثالثة بواشنطن (23-24 فبراير) ظهرت الخلافات الحادة حول السيادة وتقرير المصير، مما اضطر الرئاسة المشتركة إلى مشاورات منفصلة. أكد المبعوث ستيفان دي ميستورا أن أي صيغة للحكم الذاتي يجب أن تستوفي أعلى المعايير الدولية، وأن أي حل سياسي يتضمن استشارة مجدية مع الصحراويين. استمرت المشاورات في مارس وأبريل ويونيو، حيث التقى دي ميستورا ممثلي البوليساريو في بروكسل، ومسؤولين جزائريين ومغاربة، وزار تندوف والتقى الرئيس الموريتاني، قبل أن يعد، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، مشروعا معدلا لاتفاق إطاري انتقالي. هذا الإطار، إذا تُبني، سيؤسس مباشرة للانتقال إلى نموذج تفصيلي للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مع مشاورات مجدية مع السكان المعنيين.
هذا هو جوهر التحول الجذري: لم يعد هناك حديث جدي عن استفتاء استقلال أو انفصال من جهة أخرى حتى لو قبل المغرب نظريا بعرض مقترحه ( الحكم الذاتي ) على استفتاء، فإن الإشكالية العملية هائلة: من سيصوت؟ من لن يصوت؟ كيف تحدد الهيئة الناخبة بعد عقود من النزوح والتداخل السكاني؟ أي محاولة دولية للخوض في هذه التفاصيل ستضيع عمرا كاملا دون نتيجة، وهو ما يدركه الجميع الآن. لذا فإن الحل الوحيد القابل للتطبيق هو الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية، مع استشارة الساكنة حول تفاصيله.
بالتوازي، سجل التقرير استمرار توتر ميداني منخفض الشدة (إطلاق نار وهجمات بطائرات مسيرة) دون أن يعطل العملية السياسية. هنا يظهر التباين الصارخ في المواقف الدولية: أدانت الأمم المتحدة ودول الخليج ومعظم الدول الكبرى هجمات البوليساريو على مدينة سمارة إدانة واضحة وصريحة، بينما اكتفى التقرير بالإشارة إلى ضربات الطائرات المغربية التي أصابت ابن عبد العزيز المراكشي (الزعيم السابق للجبهة) وإحاطة علم بها فقط. هذا التمييز يعكس الواقع الجديد: الهجمات الانفصالية مرفوضة دوليا، بينما الدفاع المغربي يُعامل كأمر واقع.
على المستوى الدولي، تعزز الدعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية: السويد وسويسرا اعتبرتاها أساسا ذا مصداقية، مالي وهندوراس علقتا اعترافهما بالجمهورية المزعومة، بوليفيا علقت علاقاتها معها في فبراير، ومدغشقر وكندا واليابان جددت دعمها. وفي يناير 2026 حدث الاتحاد الأوروبي موقفه الجماعي ليعتبر مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسا للمفاوضات، كما ورد في تقرير الأمين العام نفسه.
في ختام تقريره، حث غوتيريش الأطراف على استغلال فرصة استئناف المفاوضات بحسن نية، مشيرا صراحة إلى أن البحث عن حل قائم على حكم ذاتي حقيقي قد يمثل «النتيجة الأكثر قابلية للتطبيق»، شريطة تضمين استشارة مجدية مع الصحراويين. هذا يعني عمليا تغييرا في مهمة ووظيفة بعثة المينورسو: من مراقبة وقف إطلاق نار قديم إلى متابعة الأطراف ودفعها نحو تنفيذ حل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
هذا التحول الجذري هو ما دفع عضو الأمانة الوطنية في جبهة البوليساريو، سيدي محمد عمار، إلى الخروج في حوار مع قناة انفصالية يوم 4 أكتوبر ليعلن الرفض القاطع لأي نقاش حول «أشباه الحلول» التي ترمي – حسب وصفه – إلى الالتفاف على «حق تقرير المصير والاستقلال». الرفض نفسه يؤكد أن المسار أصبح واضحا: الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الوحيد المطروح، وأن أي محاولة للعودة إلى خيارات الاستقلال أو الانفصال باتت خارج الطاولة نهائيا.
التقرير والقرار المترتب عليه يسيران بوضوح في صالح المغرب، ويعكسان واقعا سياسيا ودبلوماسيا جديدا لا يمكن التراجع عنه.

