في مشهد يفيض بالمحبة والوفاء، استقبلت مدينة العيون واحدًا من رجالها الكبار، وقامة من قامات الوطن، الحاج إبراهيم الدويهي، العائد إلى ربوعه بعد غياب دام ثلاث سنوات قضاها في رحلة علاجية شاقة بالعاصمة الرباط. وقد بادر والي جهة العيون الساقية الحمراء، السيد عبد السلام بيكرات، شخصيًا إلى قيادة ركب المستقبلين والمرحبين بهذه العودة المباركة، في موقف يختزل ما يكنه الجميع لهذا الرجل من تقدير عميق واحترام لا يُحد.
عودة الحاج دويهي، الشخصية التي تتجاوز الألقاب والمناصب، كانت لحظة وطنية بامتياز، جسدت معاني الوفاء والاعتراف بالعطاء. فهو ليس مجرد شيخ من شيوخ وأعيان المنطقة، بل رمز حي للتضحية والنضال من أجل الوطن، رجل لا يعرف إلا سبيل الشرف، كان ولا يزال جسراً للحوار والتلاقي بين القبائل والقلوب، ودرعاً للوحدة الوطنية.
إن تاريخ الحاج إبراهيم دويهي شاهد على بطولاته التي لا يعرفها إلا من عاش تفاصيلها، فهو من أولئك الرجال الذين واجهوا بطش الاستعمار الإسباني، وذاقوا مرارة الأسر في سجن فينتي بينتورا بجزر الكناري سنة 1958، حين اعتقلته سلطات الاحتلال الإسباني إلى جانب عشرات المناضلين الصحراويين الأحرار، وعلى رأسهم الشيخ ماء العينين لارباس والمرحوم أحمد جداد والد الصحفي عبد الله جداد، وغيرهم من الأبطال الذين لا يُذكر تاريخ الصحراء إلا وتتردد أسماؤهم بخشوع وإجلال، كان مصيرهم الإعدام لولا تدخل المغفور له جلالة الملك الحسن الثاني طيب الله ثراه، الذي أعادهم إلى أرض الوطن في إطار اتفاقية تبادل الأسرى مع إسبانيا.
إنها لحظة لا تحتفي برجل عاد من رحلة علاج فحسب، بل تحتفي بعودة ذاكرة وطنية نابضة، عودة رجل جسّد في حياته قيم الوفاء، والتضحية، والانفتاح، والمصالحة. وما استقبال القبائل الصحراوية له، وعلى رأسها قبيلة ازرقيين، ووجهاء القبائل كافة، وعلى رأسهم السيد مولاي حمدي ولد الرشيد، إلا عربون محبة وامتنان لرجل نذر نفسه لجمع الصفوف وترسيخ أواصر الإخاء بين أبناء الصحراء.
لقد أكدت هذه اللحظة التاريخية مرة أخرى أن الحاج إبراهيم دويهي سيبقى رمزاً خالداً للوحدة، ومدرسة في الوطنية الصادقة، وذاكرة حية تروي للأجيال قصة شعب أبيّ رفض الانكسار، وأصر على الوفاء لوطنه وملكه.
أهلاً بك يا حاج إبراهيم بين أهلك وناسك، عودتك ليست فقط لحظة استقبال، بل هي تجديد للعهد على السير في درب الوحدة والكرامة، ودرب حب هذا الوطن العزيز.