الصحراء اليومية/حيدار الركيبي
شهدت مدينة الداخلة، بالتزامن مع فعاليات الدورة الرابعة عشرة لمهرجانها الدولي للفيلم، نقاشاً فكرياً وثقافياً وازناً خلال ندوة حملت عنوان “دعم الأفلام حول التاريخ والثقافة والفضاء الصحراوي الحساني.. رهانات واعدة ونقاش ضروري”.
وشكلت هذه الندوة، التي أطرها الناقد والباحث محمد شويكة، منصة حقيقية لتشريح واقع الفن السابع بالصحراء، واستشراف مستقبله في ظل التحديات الراهنة، بمشاركة قيادات فيدرالية مهنيي السينما والسمعي البصري بالصحراء، الذين قدموا قراءات نقدية رصينة تطمح إلى رسم خارطة طريق جديدة للسينما الحسانية بالإضافة الى وجوه سينمائية بارزة من بينها المخرج رشيد زكي.
وفي هذا السياق، قدم المخرج والسينمائي سعيد زريبيع، رئيس فيدرالية مهنيي السينما والسمعي البصري بالصحراء، ورقة نقدية استشرافية ركزت على ضرورة تمكين المنتج السينمائي الحساني من الانتشار وطنيًا ودوليًا لتجسيد التعددية الثقافية للمملكة، مشدداً على حتمية الانتقال بالسينما الصحراوية من مرحلة التراكم الكمي إلى نضج فني كوني الأفق والخطاب.
واعتبر زريبيع أن التراكم المشهود في الإنتاج السينمائي بالمنطقة على مدى العقد الأخير نجح في إدماج أفلام الصحراء كجزء لا يتجزأ من المنظومة السينمائية الوطنية، مستدركاً في الوقت ذاته بأن مستويات الجودة والنضج الفني لا تزال تشهد تفاوتًا نسبيًا يعود بالأساس إلى حداثة عهد هذه الربوع بالتقاليد والممارسة السينمائية.
كما ثمن عالياً الزخم الذي أطلقه صندوق دعم إنتاج الأفلام المتعلقة بالثقافة والتاريخ والمجال الصحراوي الحساني منذ تأسيسه عام 2015، وهو الدعم الذي أثمر رصيدًا سمعيًا بصريًا يتجاوز اليوم 220 فيلمًا وثائقيًا، نجحت في تحويل التراث الحساني من مادة شفاهية معرضة للاندثار إلى سجل بصري خالد يوثق الهوية والذاكرة الجماعية للمنطقة باعتبارها مكوناً دستورياً أصيلاً ضمن الهوية المغربية الجامعة.
وفي ممارسة واضحة للنقد الذاتي الرامي إلى تحقيق الاستدامة، لم يتوان مخرج فيلم “الرحلة” عن تشخيص واقع الإنتاج الحالي، لافتاً إلى سقوط بعض التجارب في النمطية واجترار المواضيع المستهلكة عبر إعادة إنتاج الطقوس التراثية التقليدية بشكل تكراري، حيث دعا بالمقابل إلى ضرورة احتضان وتشجيع الأصوات السينمائية المتميزة التي تقارب تيمات محلية بخلفيات وأبعاد كونية قادرة على إرساء حوار تفاعلي مع الجمهور والنقاد على حد سواء.
ورغم إقراره بغياب قاعات العرض السينمائية وهياكل التكوين المتخصص في المهن السينمائية بالمنطقة حتى عهد قريب، فإن زريبيع أكد أن عزم الشباب كفيل بتجاوز هذه العقبات، مشيراً إلى أن عشرية كاملة من التمرس والممارسة الفعلية، مدعومة بالدور التكويني المستمر لمهرجان الداخلة الدولي للفيلم، نجحت في إفراز جيل من التقنيين والمبدعين من أبناء المنطقة ينشطون اليوم بكفاءة عالية في كبريات المشاريع السينمائية الوطنية.
من جانبه، وبذات التوجه النقدي الطموح، قدم المخرج أحمد بوشلكة، عضو فيدرالية مهنيي السينما والسمعي البصري بالصحراء، قراءة مكملة سلطت الضوء على البدايات الأولى والمخاض السريع الذي رافق نشأة هذه الدينامية السينمائية، موضحاً أنه مع انطلاق صندوق الدعم، كان الرهان صعبًا ومفاجئًا لجيل من الشباب الشغوف، الذين وجدوا أنفسهم مطالبين بالتحول السريع إلى صناع أفلام ومنتجين لتقديم رؤيتهم الخاصة لتراثهم المحلي، وهو ما نتج عنه في البداية تفاوت ملحوظ في الجودة الفنية.
وأكد بوشلكة مخرج فيلم “the call”, أن هذه الهفوات يجري تصحيحها اليوم وتجاوزها تدريجياً مع تراكم الخبرات والممارسة الميدانية، مما مكن شريحة واسعة من المبدعين الشباب بالمنطقة من تخطي المرحلة الجنينية بنجاح، والانفتاح الواعي على مؤسسات وصناديق تمويل دولية ووطنية كبرى لتطوير مشاريعهم المستقبلية بمهنية أكبر.
وتوجت الندوة برؤية ختامية موحدة صاغتها الفعاليات السينمائية المشاركة، والتي ألحت على ضرورة حماية هذه الأعمال الوثائقية والسينمائية من البقاء حبيسة الرفوف أو رهينة النطاق الجغرافي المحلي، حيث دعت المداخلات إلى إرساء تقليد وطني مستدام يقضي بعرض الإنتاجات الحسانية على هامش المهرجانات الوطنية الكبرى لحل معضلة التوزيع وتكريس الجسور الثقافية بين مبدعي مختلف جهات المملكة، مراهنين في الوقت ذاته على الدور المحوري للقنوات التلفزيونية الوطنية في ترويج هذه الوثائقيات وتثمينها بالنظر إلى قيمتها الاستراتيجية كأداة مرافعة ثقافية وفنية.





